احمد حسن فرحات

85

في علوم القرآن

للحكم على منهج القرآن الذي نزل بلغتها وعلى أسلوبها « 1 » . الاتجاه الثاني : هو الذي يقول بالمناسبة في حال دون حال ، ويمثل هذا الاتجاه العز بن عبد السلام ، وعلى الرغم من أن العز يصرّح بأن المناسبة علم حسن ، إلا أنه يشترط أن تكون في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإذا لم يكن متحدا ، فإنه لا يقول بالمناسبة ، بل يعتبر القول بها ضربا من التكلّف ، ويستدلّ لمذهبه بأن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض . ولا شكّ بأن الأمر المتحد المرتبط أوله بآخره ، لا يحتاج أن نبحث له عن المناسبة لأنها ظاهرة واضحة نظرا لارتباط الكلام أوله بآخره ، فهذا الشرط هو تحصيل الحاصل . أما في غير الأمر المتحد المرتبط أوله بآخره ، فإنّ العز بن عبد السلام لا يقول فيه بالمناسبة ، وذلك لاختلاف أسباب النزول ، ولا شك بأن رأي العز هذا مبنيّ على أن ترتيب الآيات كما هي في المصحف ، إنما كان على ترتيب النزول ، وهو أمر ظاهر البطلان ، بعد ما قدمنا من الأدلة على أن ترتيب الآيات والسور ليس وفق ترتيب النزول ، وأنه توقيفيّ بأمر من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهكذا نرى أن هذه الشبهة ساقطة ولا تقوى على النهوض أمام الأدلة التي سبقت . ويمكن أن يقال : إنّ العزّ بن عبد السلام متوسط في رأيه ، إذ هو يقول بالمناسبة الظاهرة دون الخفية ، وذلك ليهرب من التكلّف الذي يتصوره لو قال بالمناسبة ، والذي ربما وجد شيئا منه عند من قالوا بالمناسبة ممن خاضوا هذا البحر ولم يحسنوا فيه السباحة فأشرفوا على

--> ( 1 ) « إمعان النظر » : 109 .